الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

317

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

الدليل المطلق يحمل على المقيد في فروع الشريعة فلأنه دليل ظني ، وغالب أدلة الفروع ظنية ، فأما في أصول الاعتقاد فأخذ من كل آية صريح حكمها ، وللنظر في هذا مجال ، لأن بعض ما ذكر من الأعمال راجع إلى شرائع الإسلام وفروعه كالحج . والحجة للشافعي إعمال حمل المطلق على المقيد كما ذكره الفخر وصوبه ابن الفرس من المالكية . فإن قلت فالعمل الصالح في الجاهلية يقرره الإسلام فقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم لحكيم بن حزام « أسلمت على ما أسلمت عليه من خير » ، فهل يكون المرتد عن الإسلام أقلّ حالا من أهل الجاهلية ؟ فالجواب أن حالة الجاهلية قبل مجيء الإسلام حالة خلو عن الشريعة فكان من فضائل الإسلام تقريرها . وقد بني على هذا خلاف في بقاء حكم الصحبة للذين ارتدوا بعد النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ثم رجعوا إلى الإسلام مثل قرة بن هبيرة العامري ، وعلقمة بن علاثة ، والأشعث بن قيس ، وعيينة بن حصن ، وعمرو بن معديكرب ، وفي « شرح القاضي زكريا على ألفية العراقي » : وفي دخول من لقي النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مسلما ثم ارتدّ ثم أسلم بعد وفاة الرسول في الصحابة نظر كبير ا ه قال حلولو في « شرح جمع الجوامع » ولو ارتد الصحابي في حياة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم ورجع إلى الإيمان بعد وفاته جرى ذلك على الخلاف في الردة ، هل تحبط العمل بنفس وقوعها أو إنما تحبطه بشرط الوفاة عليها ، لأن صحبة الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم فضيلة عظيمة ، أما قبول روايته بعد عودته إلى الإسلام ففيها نظر ، أما من ارتد في حياة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ورجع إلى الإسلام في حياته وصحبه ففضل الصحبة حاصل له مثل عبد اللّه بن سعد بن أبي سرح . فإن قلت : ما السر في اقتران هذين الشرطين في هذه الآية مع خلو بقية نظائرها عن ثاني الشرطين ، قلت : تلك الآي الأخر جاءت لتهويل أمر الشرك على فرض وقوعه من غير معين كما في آية وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ [ المائدة : 5 ] أو وقوعه ممن يستحيل وقوعه منه كما في آية : وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ ما كانُوا يَعْمَلُونَ [ الأنعام : 88 ] وآية لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [ الزمر : 65 ] فاقتصر فيها على ما ينشأ عن الشرك بعد الإيمان من حبط الأعمال ، ومن الخسارة بإجمال ، أما هذه الآية فقد وردت عقب ذكر محاولة المشركين ومعالجتهم ارتداد المسلمين المخاطبين بالآية ، فكان فرض وقوع الشرك والارتداد منهم أقرب ، لمحاولة المشركين ذلك بقتال المسلمين ، فذكر فيها زيادة تهويل وهو الخلود في النار .